العيني
250
عمدة القاري
هذا الكلام للاستغراق والانحصار ، كما فهمت الأنصار ، لكن لما دل الدليل وهوالإجماع على وجوب الاغتسال من الحيض والنفاس أيضاً نفي الانحصار فيما وراء ذلك مما يتعلق بالمني ، وصار المعنى جميع الاغتسالات المتعلقة بالمني منحصر فيه لا يثبت لغيره . فإن قلت : فعلى هذا ينبغي أن لا يجب الغسل بالإكسال لعد الماء . قلت : الماء فيه ثابت تقديراً لأنه تارة يثبت عياناً كما في حقيقة الإنزال ومرة دلالة كما في التقاء الختانين فإنه سبب لنزول الماء فأقيم مقامه لكونه أمراً خفياً كالنوم ، فأقيم مقام الحدث لتعذر الوقوف عليه . فإن قلت : المنسوخ ينبغي أن يكون حكماً شرعياً ، وعدم وجوب الغسل عند عدم الإنزال ثابت بالأصل . قلت : عدمه ثابت بالشرع ، إذ مفهوم الحصر في ، إنما يدل عليه لأن معنى الحصر إثبات المذكور ، ونفي غير المذكور ، فيفي ، أنه لا ماء من غير الماء وقال الكرماني : ثم الراجح من الحديثين يعني حديث : ( الماء من الماء ) حديث أبي هريرة المذكور في الباب حديث التقاء الختانين ، لأنه بالمنطوق يدل على وجوب الغسل ، وحديث ( الماء من الماء ) بالمفهوم يدل على عدمه ، وحجة المفهوم مختلف فيها وعلى تقدير ثبوتها المنطوق أقوى من المفهوم ، وعلى هذا التقرير لا يحتاج إلى القول بالنسخ . قلت : عدم دعوى الاحتياج إلى القول بالنسخ غير صحيح ، لأن المستنبطين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ما وفقوا بين أحاديث هذا الباب المتضادة إلاَّ بإثبات النسخ على ما ذكرناه فإن قلت : حديث الالتقاء مطلق ، وحديث : ( الماء من الماء ) مقيد فيجب حمل المطلق على المقيد . قلت : هذا سؤال الكرماني على مذهبه ، ثم أجاب : ليس ذلك مطلقا بل عاما لأن الالتقاء وصف يترتب الحكم عليه ، وكلما وجد الوصف وجد الحكم ، وهذا ليس مقيدا بل خاصا ، وكأنه قال : بالالتقاء يجب الغسل . ثم قال : بالالتقاء مع الإنزال يجب الغسل ، فيصير من باب قوله صلى الله عليه وسلم : ( أيما إهاب دبغ فقد طهر ) ثم قال صلى الله عليه وسلم : ( ودباغها طهرها ) وإفراد فرد من العام بحكم العام ليس من المخصصات . تابَعَهُ عَمْرُو بنُ مَرْزُوقٍ عَنْ شُعْبَةَ مِثْلَهُ عمرو : بالواو وهو عمرو بن مرزوق البصري ، أبو عثمان الباهلي : يقال : مولاهم وصرح به في رواية كريمة ، روى عن شعبة وزهير بن معاوية وعمران القطان والحمادين وآخرين ، روى عنه البخاري في أول الديات ، وفي مناقب عائشة ، وقال : مات سنة أربع وعشرين ومائتين وروى عنه أبو داود أيضاً وذكره صاحب ( أسماء الرجال ) للبخاري ، ومسلم في أفراد البخاري من هذه الترجمة يعني ، من ترجمة عمر بالواو ، فدل على أن مسلماً لم يرو عنه ولا روى له شيئاً ، وإنما ذكر منه هذا ، لأن صاحب ( التلويح ) ذكر في شرحه أن رواية عمر بن مرزوق هذه عند مسلم : عن محمد بن عمرو بن جبلة عن وهب بن جرير وابن أبي عدي كلاهما عن عمرو بن مرزوق عن شعبة ، وتبعه على ذلك صاحب ( التوضيح ) وهو من الغلط الصريح ، وذكره في إسناد مسلم حشو زائد بلا فائدة ، وقال الكرماني هذا اللفظ ، يعني . قوله : ( تابعه عمرو عن شعبة ) يحتمل أن يراد به عن شعبة عن قتادة أو عن شعبة عن الحسن ، فيختلف الضمير في تابعه بحسب المرجع قلت : لا اختلاف للضمير فيه ، بل هو راجع إلى هشام على كل حال ، وهذا التعليق وصله عثمان بن أحمد بن السماك ، فقال : حدثنا عثمان بن عمر الضبي حدثنا عمرو بن مرزوق حدثنا شعبة عن قتادة عن الحسن عن أبي رافع عن أبي هريرة إلى آخره ، نحو سياق حديث الباب لكن في روايته : ثم أجهدها ، من باب الإجهاد قوله : ( مثله ) أي : مثل حديث الباب . وقالَ مُوسَى حدّثنا أبَانُ قال حدّثنا قَتادَةُ أخبرنا الْحَسَنُ مِثْلَهُ موسى : هو ابن إسماعيل التبوذكي أحد مشايخ البخاري ، وأبان هو ابن يزيد العطار ، والحسن هو البصري . وفيهذا الإسناد التحديث في موضعين أحدهما : موسى عن أبان ، وفي رواية الأصيلي : هو الإخبار بصيغة الجمع . والآخر : أبان عن قتادة . وفيه : الإخبار في موضع واحد ، وهو قتادة عن الحسن . ومن فوائد هذا أن فيه التصريح بتحديث الحسن لقتادة ، لأن في رواية حديث الباب قتادة عن الحسن ، وقتادة ثقة ثبت لكنه مدلس ، وإذا صرح بالتحديث لا يبقى كلام . وقال صاحب ( التلويح ) رواية موسى هذه عند البيهقي أخرجها من طريق عثمان وهشام ، كلاهما عن موسى عن أبان وتبعه على ذلك صاحب ( التوضيح ) كلاهما غلطاً ولم يخرج البيهقي إلاَّ من طريق عثمان عن همام وأبان جميعاً عن قتادة . وقال الكرماني : فإن قلت : لم قال : تابعه عمرو ، وقال